قال الطحاويُّ عن أصحاب النبي : “ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان”.
ولا شك أن أبو بكر الصديق من أحب الصحابة – رضوان الله عليهم – على قلب نبي الله ؛ لذلك أراد الله عز وجل أن يتزوج الرسول
من عائشة بنت أبي بكر لتصبح العلاقة بينهما علاقة صهارة وقرابة وليست علاقة صداقة وحسب.
ولكن المنافقين والمدعين واعوانهم الأشرار لم يجدوا فرصة للطعن في عرض محمد وأهل بيته إلا وأخذوا يستحلونه ويخوضون فيه ولكن حاشا لله أن يترك نبيه وأهل بيته في معاناة من الظلم والبهتان المبين.
قصة الإفك
كان النبي أنَّه إذا أرادَ أن يخرج، أقرعَ بين أزواجه، فأيتُهنَّ خرجَ سهمُها خَرَجَ بها.
وفِي السنةِ الخامسة هجريًا، في شهر شعبان، عزم النبيُّ على قتال بني المصطلق، فأقرع بين أزواجه، فخرج السهم على عائشة، فخرجت مع النبيِّ
.
خرجت عائشةُ مع جيش النبي وذلك بعدما أنزل الحجاب، فقد كانت تُحمَل في هودجٍ خاصٍّ لها طيلةَ السَّفَر.
حتى إذا فرغ رسولُ الله من هذه الغزوة ” غزوة المريسيع ” وقفل، آذنَ رسولُ الله
بالرحيل، فقامت عائشة لقضاءِ حاجتها، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رَحْلِها، وجعلت تتلمس صَدرها، فإذا عقد لها قد انقطع، فرجعت لتبحث عنه.
وبعد إذن النبي بالرحيل تَحَرك جيشُ المسلمين، وأقْبَل الرهطُ الذين كانوا يَحملون الهودج، فاحتملوه ثم وضعوه على البعير، وهم يحسبون أنَّ عائشةَ فيه، ولَم يستنكروا خفةَ الهودج، فقد كان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم كانت عائشة حديثة السن.
بُعث الجمل وسار الجيش، ووجدت عائشةُ عقدها، فأخذته وقد علاها الفرح، فأسرعت نحو الجيش، فوصلت إلى منازلهم، ولكن ليس بها داعٍ ولا مجيب.
فذهبت إلى منزلها الذي كانت فيه، وظنَّت أن القوم سيفقدُونها، فيرجعون إليها، فجلست وحيدة، فلم تشعُر إلا وعيناها قد غلبتها فنامت، وهي لا تدري ما الذي ينتظرها.
كان أحدُ الصحابة، وهو صفوانُ بن المعطَّل السُّلمي من وراء الجيش وأخذ يمشي في طريقه، وإذا به يرى سواد إنسان نائم، فاقترب منه، وعرف أنَّ هذا السواد الملقى على الأرض هو عائشةُ زوجةُ النبي لمّا رآها، وقد كان يراها قبل الحجاب، فقال في دهشة: إنا لله وإنا إليه راجعون، قالت عائشة: فاستيقظتُ باسترجاعه، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، عندها أبركَ صفوان راحِلتَه حتى ركبتها عائشة.
انطلق الموكب في صمت نحو المدينة لا يلتفت صفوان ولا يكلم عائشة؛ إجلالا لعِرض النبي ، حتى أدرك الجيش عند الظهيرة، وعندما وصل الموكب إلى الجيش والنبي
وصحابته كانوا يحسبون أنَّ عائشةَ في هَودَجِها، فادهشهم هذا المشهد.
استغل الشيطان القلوب والنفوس المريضة في هذا المشهد، فقد رأوا فيه فرصة لا تفوت للطَّعن في العِرض الشريف عرض نبي الله ورسوله.
بدأت عقارب النفاق تتحرك في قلوب أهلها، فأطلق عبدالله بنُ أُبي بن سلول أولَ قذيفةِ الإفك، فقال وبئس ما قال: والله ما نَجَت منه، ولا نَجَا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجلٍ حتى أصبحت، وتولَّى هذا الإفك، فبدأ يزكيه بين الناس، حتى وَصَل خَبرُ الإفك في كلَّ المدينة.
كل هذا وعائشةُ – رضي الله عنها – مريضةٌ غافلةٌ، لا تدري ماذا يقولُه الناسُ عنها، وكانت قد تغيرت معاملة الرسول لها وكانت تستغرب معاملته ولطفه معها.
وحين نَقِهْت عائشةَ، خرجت مع أم مِسطَحٍ ليلاً، فعثرت أم مسطح في مِرْطها، فقالت: تَعِسَ مِسْطح! فقالت عائشة: بِئْس ما قُلْتِ، أتَسُبِّين رجلاً شهد بدرًا؟ فقالت: يا هنتاه، أوَلَم تسمعي ما قال؟ قالت: وماذا قال؟ فأخبَرَتها بقول أهل الإفك، فازدادتْ مرضًا إلى مرضها، فلما رجعت إلى بيتها ودخل عليها النبيّ سلم عليها، وسأل عن حالها، ولم يكن يجلس عندها، فقالت: أتأذن لي أن آتِيَ أبوَيَّ، وهي حينئذ تريد أن تستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لها رسول الله
.
موقف الأُمُّ من حديث الإفك
حين ذاك أسرعت إلى بيت أبوَيْها، فسألت أمَّها: ما يتحدَّث الناس؟ فقالت لها الأُمُّ المَكْلُومة: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقالت عائشة: سبحان الله، أو قد تحدث الناس بهذا؟!
موقف أبو بكر الصديق من حديث الإفك
أمَّا أبي بكر – رضي الله عنه – فكان في حالة يُرثى لها، فماذا يُقال عن حال أبٍ يرى ابنته تتقطَّعُ حزنًا وأسًى، فقد كان – رضي الله – عنه أسيف رقيق القلب، وكان قد ابتعَد عن النَّاس في أيام الفتنة، ولزم البيت، فكان – رضي الله عنه – يتلو القرآنَ وهو على سطح المَنْزل، فيسمع بُكاء أبنة قلبه ونشيجَها، فتسيل منه الدَّمعات، ويقول: والله ما رُمينا بهذا في جاهليَّة، فكيف نُرمَى به في الإسلام؟!
ظلت المدينةُ شهرًا مقام فيها الحزن والأسى، ورسولُ الله ينتظر الفرَجَ من الله، وطال عليه انقطاع الوحي، فأخذ النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – يشاور أصحابه في فراق أهلِه، فقال له أُسامة بن زيد: هُم أهلُك، ولا نعلمُ إلاَّ خيرًا، وسأل زينبَ بنتَ جحش، فقالت: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ إلاَّ خيرًا، أمّا عليًّ، فقال له، وقد رأى ما رأى من تغيُّرِ حالِ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: يا رسول الله، لم يضيِّق اللهُ عليك والنِّساءُ سواها كثير، وإن تسأل الجاريةَ تَصدُقك، فدعا رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – بريرةَ، وقال لها: أي بريرة، هل رأيتِ من شيء يَريبُك؟ فقالَتْ: والذي بعثَكَ بالحقِّ، إنْ رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أغمِصُه عليها أكثرَ من أنها جاريةٌ حديثةَ السِّن تنامُ عن عجينِ أهلِها، فتأتي الدَّاجنُ فتَأْكله.
فهَدَأت نفسُ النبي ، ولكنَّه كان ينتظر الوحي، فلما استبطأ عزم النبي
على أن يواجه عائشةَ بما يُقال، ويَسمعَ ماذا ستقول.
وأتت أول زيارةٍ من النبي إلى بيتِ أبي بكر بعد انقطاعٍ دام لأيام، فرأى زوجَته التي طالما تبادل معها أسمى المشاعر والوّد، تبكي بُحرقة، وجاريةٌ من الأنصار جالسة تبكي معها، بل بَكت لِبُكائها، فجلس النبي
وقد خيَّم الصمتُ المكان إلاَّ من نشيج عائشةَ – رضي الله عنها – فلَم يقطع هذا الصمتَ إلاَّ تشهُّدُ النبيِّ
ثم قال: ( يا عائشة، إنَّه قد بلَغَني عنْكِ كذا وكذا، فإنْ كنتِ بريئة فسيبرِّئك الله، وإن كنتِ ألْمَمتِ بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبدَ إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله عليه ).
قالت عائشة: فلمَّا قضى رسولُ الله مقالته، قلصَ دمعي حتى ما أحسُّ منه قَطْرة، فقلتُ لأبي: أجِبْ عني رسول الله
فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ الله
؟ فقلت لأُمِّي: أجيبِي رسولَ الله
فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله
؟
فقالت عائشة: والله لقد عرَفتُ أنكم قد سمعتُم بهذا حتى استقَرَّ في نفوسكم، فإنْ قلت لكم: إني بريئة – والله يعلَم أني بريئة – لا تُصَدِّقُونني بذلك، ولئنِ اعترفتُ لكم بأمْرٍ والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلاَّ كما قال أبو يوسف: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [سورة يوسف].
وكانت عائشة – رضي الله عنها – متيقنة بأنَّ اللهَ سيُبرِّئُها من هذا الإفك فكانت تقول: وأنا والله أعلَمُ أنِّي بريئةٌ، وأنَّ الله سيبرِّئُني، ولكن والله ما كنت أظنُّ أنْ يَنْزِل في شأني وحيٌ يُتلَى، ولَشَأنِي كان أحقرَ في نفسي من أنْ يتكلمَ اللهُ – عزَّ وجلَّ – فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولكني كنت أرجو أن يَرى رسولُ الله رُؤيَا يُبرئني الله بها.
وبعد أنْ قالت عائشةُ ما قالت، انقلبتْ فاضطجعت على فراشها مُوكلة أمرَها إلى الله، وما هي إلا لحظات ونزل الوحي على النَّبيِّ ، فيتفصَّدُ العرقُ من جَبِينِ النبيِّ
مثل الجمان وهو في يوم شات فعرفوا أنَّها رسالةً سماويَّةً من الله، فتلهَّفت القُلُوب لذلك الخبر السَّماوي، فلما سري عن رسول الله
سري عنه وهو يضحك.
فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة، أما الله – عز وجل – فقد برأك.
فقالت أمُّ عائشةَ حينها: قومي إليه، فقالتْ عائشة: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل،هو الذي أنزَلَ براءتي، فقد نزل فيها قولُ االله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [سورة النور].
أبو بكر والعفو وصنائع المعروف
فلما أنزل الله هذا في براءة عائشة – رضي الله عنها – قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه -وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: والله، لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: ( وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )، قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
صدق الله العظيم في قوله وقوله الحق: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [سورة الأنفال] فالله – سبحانه وتعالى – كفيل بأن يرد كيد كل الحاقدين والمنافقين ومدّعين الزور على المحصنات الشريفات في نحورهم فهو – عزًّ وجلّ شأنه – يُمهل ولا يُهمل، ثق بالله وتوكل عليه وكن كأبي بكرٍ واعفُ واصفح وأجرك على الله.